الشيخ محمد رشيد رضا

192

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بالزلل الذي أوقعهم الشيطان فيه ما كان من الهزيمة والفشل بعد توليهم عن مكانهم طمعا في الغنيمة ويكون هذا التولي هو المراد ببعض ما كسبوا . ولا يصح هذا التأويل على الوجه الآخر القائل بأن الذين تولوا هم جميع الذين أدبروا عن القتال الا إذا أريد ببعض ما كسبوا : ما كسب الرماة منهم وهم بعضهم ، فيكون المعنى إن الذين تولوا منكم مدبرين عن القتال إنما استزلهم الشيطان بسبب بعض ما كسبت طائفة منهم وهم بعض الرماة فإنه لولا ذلك لما كر المشركون بعد هزيمتهم وجاؤوا لمؤمنين من ورائهم حتى أدهشوهم وهزموهم وللسببية وجه آخر ينطبق على كل من القولين في الذين تولوا وهو ان توليهم عن القتال لم يكن الا ناشئا عن بعض ما كسبوا من السيئات من قبل فإنها هي التي أحدثت الضعف في نفوسهم حتى أعدتها إلى ما وقع منها . ويؤيد هذا الوجه قوله تعالى ( 42 : 30 وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ ) فهو بمعنى ما هنا الا أنه هنالك عام وهنا خاص بالذين تولوا يوم أحد ، فالآيتان واردتان في بيان سنة من سنن اللّه تعالى في أخلاق البشر وأعمالهم ، وهي أن المصائب التي تعرض لهم في أبدانهم وشؤونهم الاجتماعية إنما هي آثار طبيعية لبعض أعمالهم وأن من أعمالهم ما لا يترتب عليه عقوبة تعد مصيبة وهو المعفو عنه أي الذي مضت سنة اللّه تعالى بأن يعفى ويمحى أثره من النفس فلا تترتب عليه الأعمال وهو بعض اللمم والهفو الذي لا يتكرر ولا يصير ملكة وعادة . وقد عبر عنه في الآية التي هي الأصل والقاعدة في بيان هذه السنة بقوله « وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ » ويؤيد ذلك قوله تعالى ( 6 : 71 وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ ) أي بجميع ما كسبوا فان « ما » من الكلمات التي تفيد العموم . وقد بينا هذه السنة الإلهية في مواضع كثيرة من التفسير وجرينا على أنها عامة في عقوبات الدنيا والآخرة فجميعها آثار طبيعية للأعمال السيئة ، وقد اهتدى إلى هذه السنة بعض حكماء الغرب في هذا العصر أما قوله تعالى ( ولقد عفا الله عنكم ) فالعفو فيه غير العفو في آية الشورى ذلك عفو عام وهذا عفو خاص . ذلك عفو يراد به أن من سنة اللّه في فطرة البشر أن تكون بعض هفواتهم وذنوبهم غير مفضية إلى العقوبة بالمصائب في الدنيا والعذاب في